من ذاكرة 2019

كعادتي نهاية كل سنة أستحضر ماتعلمته فيها، أدوّن الجيد لأحمله معي وأترك مالم يكن ذو قيمة. سنة 2019 من أكثر سنوات السلام الداخلي والرضا مقارنة بالسنوات السابقة، كانت نتائج لمحاولات قمت بها في 2018 وبذور غرستها في 2017 لتحسين جودة حياتي والارتقاء بذاتي. معظم هذه المحاولات تدور حول كيف لي أن أعيش بسلام داخلي؟ وكيف أن أجد ذاتي الحقيقة لتعيش تجربتها الأرضية التي جاءت لأجلها؟

قد تبدو الأسئلة بسيطة ولكنها عميقة بالقدر الكبير جداً وتتطلب صبراً وعزيمة ووقتاً.. حيث أنها أشبه بمرحلة هدم وبناء، ترميم وإصلاح، تنقيب واكتشاف، وتجربة واختبار وغيرها من العمليات المستمرة ما دمنا على قيد الحياة.

حدث قليلاً أن حاولت الاقتراب من ذاتي وسط كل هذه الفوضى، وتبعثرت تكراراً رغم محاولاتي الجادة في التشبّث بها وملامستها. وفي كل مرة أعي بيقين أن ذاتي الحقيقة مازالت بالداخل وأنا أبدو منها قريبة حيث لازلت أعيش في أعماقي، ولكن بالقدر ذاته أبدو بعيدة عنها حينما أكون بين المجتمع والناس! أبدو غريبة كثيراً بين الناس ولا أتكيّف مع أي أحد، لا أستطيع أن أكون على حقيقتي لأسباب عديدة ومختلفة أحاول جاهدة أن أجد لها حلولاً.. لذلك كانت هذه السنة محاولات جادة لأُظهر ما أنا عليه بالداخل وما أحبه فيّ.. انتهت هذه السنة وأنا مازلت لا أشعر أني وصلت لمرحلة الرضا في تحقيق هذا الهدف، ولكن كل ما أحتاجه هو الوقت والعزيمة والاستمرارية.

لذلك سأعمل على هذا الهدف السنة المقبلة، وسأسرد باختصار في هذه التدوينة أهم ما أتذكره وما تعلمته:

أول تجربة والتي كتبت عنها تدوينة مفصلة احتفظت بها لنفسي كانت تجربة الحج! كل التجارب الجميلة في السنوات الماضية في كفة وتجربة الحج وحدها في كفة!

حمدت الله كثيراً أنها كانت حجتي الأولى في الوقت الذي أصبحت فيه أكثر نضجاً روحياً وأكثر صدقاً في الرغبة والقصد.. الحضور والعظمة وهيبة الزمان والمكان وغير ذلك من المشاهد العميقة لاشك هي إحدى أسباب سعادتي، كذلك استشعار كثير من القيم الروحانية والغاية الكبرى كانت سبباً كبيراً للالتفات إلى ما هو أكبر من الذات.. الشعور المختلف والغريب الذي أحسست به هو أن روحي كانت أقرب ما تكون إلى حقيقتها وفطرتها، لم أكن أشعر أنني أسير على الأرض بل كنت أشعر أني بين ملائك وعلى أجنحتهم أُحمل وأسير، ومن إشراقة نورهم ونور ربي وربهم أبصر النور حولي ومني.. هكذا كان الشعور مختلف وغريب جداً يصعب وصفه والحديث عنه.

أما التجارب الأخرى والدروس المستفادة باختصار:

· عش كما تريد: في الوقت الذي اعتدت فيه أن آخذ اعتبار المقربين لي خسرت فرصة كبيرة جداً كانت لتنقلني إلى وضع أجمل وأفضل! ولكن اعتيادي على عدم الجرأة في كسر الحدود التي رسموها والخوف من الخروج من دوائرهم ترددت فرفضت الفرصة، وعشت بعدها أسابيع وأشهر من تأنيب ذاتي على عدم الشجاعة في أن أعيش كما أريد، شعور التأنيب وحده مؤلم ربما أكثر من فوات الفرصة. الدرس الذي تعلمته وطبقته بعد هذا الموقف: ألا أسمح لأحد أياً كان أن يلزمني بمجاراة أفكاره ومعتقداته وإن جاء بمليون تبرير.. هذا الموقف علمني ألا أستسلم لكل من يحاول أن يخلق مني نسخة تشبهه -دون وعي مني- وهذا الدرس حملني على وضع كل أفكاري وأرائي ومعتقداتي ورغباتي على الطاولة أمامي وتحت المجهر محاولةً لفهم من أين جاءت؟ وكيف تشكلت؟ وهل هي تناسبني الان؟ وكيف أهدم مالم يعد يمثّل حقيقتي وأبني محلّه كل ما يساعدني على أن أكون أنا التي أحبها.

· الانقطاع عن وسائل التواصل والتركيز على الذات: في محاولة جادة تركت سنابشات وانستقرام -رغم أني لم أكن بالأساس فاعلة ولا متفاعلة- ولكن قررت أن أحذفها تماماً من بداية رمضان ومازلت حتى الآن أكملت 8 أشهر بدونها.. الهدف الأول كان للتركيز أكثر على ذاتي والحفاظ على الوقت بما ينفع، الهدف الثاني كان لأجل تهدئة الرأس كي لا يزدحم بمؤثرات وصور وأصوات وأفكار هو في غنى عنها، هذا بمثابة حفظ لطاقتي الذهنية وتفريغ رأسي مما لا جدوى منه فهو بالأصل متروس بذاكرة الماضي ويحتاج إلى إعادة تهيئة. والسبب الثالث هو أن متابعة الآخرين تجعلنا نرى العالم من خلال عيونهم ونتورّط بذائقتهم مع الوقت، لذلك فضّلت أن أحافظ على تفرّد ذائقتي وأن أرى العالم بنظارتي الشخصية. أما الدرس الذي تعلمته وجاء تباعاً هو أنه لا شيء يفوت ولا شيء يستحق الاهتمام والمتابعة اليومية سوى ذاتي وهواياتي وأحلامي.

· تجاهل تنبيهات الجوال: هي إحدى المهارات التي تعلمتها بعد أن بدأت أقود السيارة، فمنذ ديسمبر الماضي أدركت أن التنبيهات سواء مكالمات أو رسائل ليست ذات أهمية قصوى وبالإمكان تأجيلها أو إهمالها، وأنه حقاً لا شيء يفوت.. وبالالتزام بالنظام الواعي الذي اخترته لنفسي أصبحت أقل التصاقاً بالجوال وأكثر بعداً عنه أثناء ممارسة أعمالي ومهامي الشخصية، وعليه اختلفت الإنتاجية كثيراً!

· كل اختيار يبدأ بنيّة: أدرك تماماً وأوقن بشدة أن للإنسان حق الاختيار المطلق، وأن حياة كل شخص هي نتاج اختياراته، فكل شخص له أن يختار أن يكون فقيراً أو غنياً، شجاعاً أو خائفاً، مسؤولاً أو تابعاً، مثقفاً أم عامياً، حتى فيما يتعلق بالعقيدة فقد منح الله كل شخص أن يؤمن أو يكفر وهذا هو أكبر المسائل التي تتعلق بالاختيار.. كلها اختيارات متاحة للجميع ولكل شخص مهمة أن يسعى لتحقيق اختياراته وعهوده وهذا بالتأكيد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسؤولية. مسألة الالتزام والسعي لهذه الاختيارات مختلفة وتتطلب جهداً ووقتاً ولكن الذي لا أشك فيه أن بداية تحقيق كل اختيار هو “نية”، وكلما كانت النية واضحة وصريحة ونابعة من الداخل كلما تجلّت سريعاً، وهذا هو الهدف، التصريح للذات باختياراتها هو بمثابة إعلان رسمي للذات وإطلاق عهد عليها أن تلتزم به وتسعى إليه وتراه نصب عينيها في كل طريق.

· الحياة فسيحة. نصيحتي لكل من أجده مثقلاً بمتاعب وهموم وإن كانت مزمنة: ألا تضيق أبدا مهما ضاقت عليك. الذي أوسع السماء قادر ان يوسع كل ضائقة، وكل شيء في تحول مستمر، لا شيء يبقى على حاله.. الكون كله بحالة حركة وتغير دائم وما نحن إلا جزء صغيراً من هذا الكون الفسيح.. ليل ونهار، ظلمة ونور، جفاف ومطر، موت وحياة، كذلك هي الظروف التي تحل علينا متقلبة ويجب أن نتقبلها بصدر رحب ورضا واستسلام على أنها سُنّة إلهية كونية مهمتها “المرور” وليس “البقاء” لذلك يجب أن نسمح لها بالعبور ونتعلم منها ونفهم أسبابها لنتجاوزها وتتجاوزنا بسلام، الدرس أن نعلم يقيناً أن كل ضائقة مصيرها إلى زوال وأننا في فساحة من النعم ووفرة من الخيرات التي تستحق أن نلتفت لها حين تحلّ علينا غمامة سوداء.

· ممارسة تجارب ورياضات جديدة هي تجربة لعيش حياة جديدة! لطالما سمعنا كثيراً عن أهمية ممارسة تجارب مختلفة وأنها من عادات الناجحين ومن الأسباب المهمة التي تحسن النفسية والمزاج فضلاً عن انها تساعد على أن يكتشف الشخص ذاته ومهاراته والأشياء المحببة إليه ومالا يتناسب معه. ليس المهم أن تسافر بعيداً لتجرب شيئاً مختلفاً، الكثير من التجارب الجديدة موجودة ربما في أقرب نقطة منا، في المنزل أو الغرفة أو حتى الهاتف الذي لا يتجاوز حجم الكف بيدنا. جربت هذه السنة ممارسات مختلفة منها هوايات وأخرى رياضات ساعدت على كسر الروتين والخروج لأفق أوسع فضلاً عن تحسين جودة الحياة والاستمتاع بالتجارب ذاتها بغض النظر عن نتائجها إذا ما تحققت أم لا.

· الانسان حيثما يضع نفسه: حين يكون الحديث عن الناس والمجتمع أقول حافظ على حقيقتك! وارحل بعيداً عنهم وإياك أن تسمح لهم بأن يغيروك دون وعي.. لأنه رغماً عنك سوف تشبههم أو على الأقل ستفقد جزء من كينونتك وبريقك مالم تغادرهم. الحديث هنا عن كل الأشخاص المحبطين والضائعين والمتحلطمين والمتوحشين. لذلك ضع نفسك مع من يشبهونك واختر لنفسك أروحاً تخرج أفضل ما فيك وتزيدك بريقاً.

· الامتنان عادة وعبادة ووسيلة للوصول للرضا: أتذكر جيداً كيف كانت حياتي ونفسيتي قبل التزامي بممارسة عادة الامتنان على كل شيء.. كل شيء! بدءً من مخدة النوم وشربة ماء نقي ورائحة عطر وقدرة على التفكير والتعلم والتكلم والتنفس وأشياء لايمكن حصرها.. حياة بلا تذكر النعم الصغيرة التي اعتدنا عليها والامتنان على وجودها هي أشبه بحياة جافة مقفرة، وهذا الذي جعلني أرى الاختلاف قبل وبعد الاستمرار بممارسة الامتنان في كل لحظة وعلى كل شيء.. لا أزيد إثباتاً على تغير الحالة إلا قوله سبحانه: “ولئن شكرتم لأزيدنكم” فضلاً عن البركة والزيادة فإن شعور الرضا الذي يأتي تباعاً مع الامتنان هو شعور يبحث عنه الكثير بوسائل وخطط صعبة أسهلها يتحقق بالاستمرار على هذه العادة. ربما التعوّد على تذكّر النعم كل ليلة وبداية كل صباح أو كتابتها يساعد على تكوين عادة يومية تلقائية مع مرور الوقت.

· الابتسامة سحر وجمال وصدقة وتعدّل النفسية! جربت تحدي الابتسامة مع نفسي بشكل شبه يومي أصور صورة وأنا أبتسم، في العمل، في الطريق، في السوق، قبل النوم، ولاحظت انعكاس هذا على نفسيتي بمجرد أن أرى وجهي دائماً مبتسماً، انتقل التأثير بشكل عفوي إلى من أقابلهم فأصبحت الحالة الافتراضية لوجهي في كل مكان ومع كل الأشخاص هي الابتسامة 😊 لا أخفي أن السبب الذي حملني على ذلك هو التمعن في الحديث: “تبسمك في وجهك أخيك صدقة” كنت أريد أن أفهم تأثيره فأصبحت أستشعر وأنوي أنها صدقة حقاً! هذا الفعل البسيط نمّى بداخلي إحساس الشعور بأني شخص طيّب وخيّر وهو شعور جميل ولطيف، ويضفي راحة لدى الآخرين قبل أن يعود عليّ مرة أخرى بجمال ابتسامتهم ولطف تعاملهم.

· مراقبة الذات: لدي مسؤولية عالية جداً في تقييم ذاتي وأعمالي كل يوم وبعد كل عمل أو لقاء، دائماً ما أسأل نفسي هل أخطأت؟ هل فعلت ماهو صواب؟ ما الشيء الأفضل الذي كان يجب عليّ فعله؟ أعتمد أحياناً على قيمي ومعتقداتي في عملية التقييم واحياناً أتذكّر أكثر الأشخاص إلهاماً لي في محاولة إسقاط الموقف عليهم وتوقع كيفية تصرفهم 🙂 وهي طريقة لطيفة أحبها لأنها تذكرني دائماً أن هنالك أشخاص عظماء أحبهم وأعتبرهم قدوة لي. هذه السنة أضفت طريقة جديدة كوسيلة لمقاومة ارتكاب خطأ وهي بمحل خطوة استباقية، حيث أن استشعار وجود ملائكة على الدوام عن يميني وعن يساري كفيلاً بتهذيب النفس والفكر وسلامة القلب والنوايا والتريّث بالتصرّف بدلاً من الاندفاع ثم اللجوء للتقييم.

· كل شيء قابل للشك والصحة والخطأ: كنت أؤمن بهذه العبارة ولكن هذه السنة أصبحت فعلاً أطبقها وأتفحص أي معلومة أو رأي دون الحكم عليه، ولا أخذ أي شيء على محمل الجد أو على وجه اليقين. لم أعد متمسكة برأي أو فكرة ولا أحاول الدفاع عنها أو إقناع أي شخص بما أؤمن به، المسألة أصبحت لدي مجرد اختيارات وأذواق كلٌ يختار ما يناسبه.. هذه القناعة منحتني الأريحية في تقبل كل شيء ومنح الحرية للجميع وبالتالي أصبحت أشعر بذلك في عالمي.

· أجمل الهدايا تلك التي تهديها لنفسك، وأصدق الرسائل هي التي تكتبها لنفسك: ممارسة الإهداء للذات ومكافئتها من أهم العادات التي زادت من تقديري لها وأنها تستحق.. بين فترة وأخرى أو بعد تحقيق منجز ولو كان بسيطاً أقصد شراء هدية لنفسي يحملني شعور المكافأة لها وليس مجرد عملية شراء ودفع فحسب. أما عن الكتابة فحدّث ولا حرج، من قبل كنت سخيّة على نفسي بالكلمات الداعمة والتوكيدات الدرامية وتأثيرها فعل العجائب! كن كريماً على نفسك وسخيا ًعليها وانتق لها أجمل الأشياء والكلمات التي تستحقها بلا تردد.

· السماء هي الحدود الفاصلة: حين نتحدث عن الحد الفاصل بين شيئين فهذا يعني أننا ندرك أنهما مختلفين تماماً وعلى النقيض. السماء منذ سنوات كانت تمثّل لي المتنفّس والسعة والانشرح والانبساط والصفاء وكثير من المعاني السامية. هذه السنة أصبح ارتباطي بالسماء وطيداً وآسرا، كلما رفعت بصري لها أوقن أن وراءها الموطن الحقيقي والحياة الأبدية! هذه الفكرة وحدها كفيلة أن تقلب الميزان وتغير اتجاه بوصلة حياتنا بالكامل كلما توجه نظرنا للسماء.

· التجارب الروحانية تجارب أثيرية: كل شيء في الأثير يبدو متماهياً ومنسجماً مع بعضه البعض بدقة عجيبة كحركة الكواكب في هذا الكون البديع! لاخطأ ولامصادفة ولا عرقلة أو تعثّر. الجمال في الأثير يكمن في غاية هذا التناغم والتراصف الذي يحدث بفعل قوة لامرئية واستسلام مطلق لهذه القوة. ونحن كبشر محدودين وأصغر حجماً تنطبق علينا القوانين الكونية في كل أبعادها، فباستطاعتنا الوصول لحالة الانسجام والتناغم مع هذا الكون إن نوينا وسعينا لذلك. وهي تجربة لايُنصح بها فقط بل هي السبب والغاية من وجودنا. العبادات أو التأمل أو العزلة أو اليوقا أوالقراءة عن هذا الموضوع هي العتبة الموصلة لهذه الحالة.

التجارب الروحانية هي ما تُحدث إشراقاً وتصنع قوة، هي مصنع الوقود ومخزن الطاقة إن ضعفنا، وهي التي تساعد على مواصلة المسير في هذه الحياة، بل هي كل الحياة!

أختم بمقولة توليستوي في كتابه اعترافات: “يكفي أن أدرك وجود الله لكي أعيش، ويكفي أن أنساه لكي أموت”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: