أشباح الرسائل

” في واقع الأمر ما الرسائل إلا تواصل مع الأشباح. ولم يكن هذا التواصل مع شبح المخاطب فقط على الإطلاق، بل إنما يتعدّى ذلك ليكون مع شبح الشخص ذاته، والذي يتطور سرّاً داخل الرسالة التي يكتبها ذلك الشخص”

هكذا عبّر كافكا في كتابه رسائل إلى ميلينا، الذي قال عنه فيليب بوهيم: “إن كافكا لم يكشف عن نفسه بتلك الدرجة لأي شخص آخر كما فعل مع ميلينا”.

هذا الفن الجميل للرسالة بمفهومها الورقي تغيّرت ملامحه في الوقت الذي انصرفنا فيه عن الكتابة باليد وتحولت الرسائل بين الأشخاص إلى رسائل رقمية قصيرة جداً عبر برامج المراسلات التي اختصرت الزمن واختصرت معها الغايات والكلمات وحتى الحروف الذي أفقد الرسائل تأثيرها المباشر وأضعف بالتأكيد لغة التخاطب بيننا.

تعجبني الرسائل لأنها أحد فنون الأدب العفوي الجميل بين شخصين، وغالبًا ما تكون بين صديقين أو مُحبين يُجيدان استخدام الكلمات، كذلك المراسلات بين الآباء وأبنائهم التي تميل لتكون بهدف محبة أبوية متبادلة أكثر من كونها عاطفية. أذكر أنني شاهدت فيلماً -لا أتذكر اسمه- عن أب لا يتوقف عن إرسال رسائل لابنته التي تعيش مع أمها في منطقة بعيدة منذ أن كانت طفلة حتى كبرت، كان الفيلم يسلط الضوء على قوة تأثير رسائل الأب المستمرة على تشكيل فكر وشخصية ابنته رغم بعده عنها، وانتهاء الفيلم بامتنان كبير من الابنة لأبيها الذي بفضل رسائله أحدثت تحولاً ونجاحاً في حياتها المهنية والشخصية. برأيي أن التراسل بالكتابة يختلف بشكل كبير عن التراسل الشفهي من حيث التأثير، فالكلمات المكتوبة تأثيرها أقوى وأطول وهي من أصدق النصوص المكتوبة لأنها تمثل الصوت الداخلي وتكشف للشخص ذاته -قبل أن تكشف للآخر- عن حقيقته المجرّدة. . وهكذا عبّرت مي زيادة مرة في رسائلها لجبران خليل جبران قالت “حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحياناً لأنى أكون بها حرة كل هذه الحرية”. أما كافكا فيقول: “يمكن للمرء أن يخبرك الحقيقة كما تقتضيه مصلحته ومصلحتك؛ أو بالأحرى أن يكتشف حقيقته مباشرةً من خلالك”، وهذا حقاً ما تفعله الرسائل.

من يقرأ في أدب الرسائل سيجد القدرة على إبراز الإمكانات الإبداعية القائمة على التلاعب باللغة من أجل إيصال فن رقيق وبسيط جداً يُخفي ورائه ملامح نفسية وفكرية ومشاعر عاطفية تؤثر بشكل كبير على شخصية المتراسلين. باعتقادي أن قلة النفَس على كتابة الرسائل اليوم يعود لوسائل التواصل الاجتماعي التي أجبرتنا على الاختصار وطوت زمن المظاريف الجميل ولهفة تلقيها. لا أنسى حجم وطول الرسائل التي كنت أكتبها سابقاً إلى صديقاتي والحماس الذي يتملكني في التعبير والصياغة، حتى “الهواش” أذكر أنه يكاد يكون مثيراً وفاتناً على الورق: ) هو نوع من التفريغ الراقي والمتحضّر حيث أن الأدب يُجبر الكاتب على الأدب غالباً.

استمتعت قبل أيام بقراءة رسائل كافكا، وبغض النظر عن الهدف الذي تُكتب من أجله الرسائل إلا أن تبادل الرسائل أسلوب تخاطب راقي وحضاري، سواء بين الأحباء أو الأصدقاء أو الأباء وأبنائهم. وصحيح أن كثير منها تكتب لا بهدف النشر لأنها خاصة بين اثنين، إلا أن التطرف بالخصوصية أحياناً يصل أن تُكتب الرسالة ولا ترسل للآخر فتكون حقاً لأشباح كما قال كافكا.

جاءت على بالي أبيات الحلاج وأنا اكتب هذه التدوينة، يقول:

وكتبتُ، لم أكتب إليك وإنما

كتبتُ على روحي بغير كتابِ

وذلك أن الروحَ لا فرقَ بينها

وبين مُحبيها بفصلِ خطابِ

في الرسائل تظهر وتختفي أرواح وأشباح وأصوات ومالم يُعلم!

فهل حدث يوماً أن كتبت رسائل لأشباح؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: