جريمة أن تبدأ حوارك بنصيحة

أنا واحدة من هذا المجتمع العجيب الذي أتلقى فيه النصائح أينما وجّهت وجهي وقدميّ!

اليوم الخميس خرجت بكل حماس لأتحدّث عن موضوع يهمّني كثيراً.. انتبه لكلمةأتحدّث، كان لدي موعد مع شخص أستشيره في هذا الموضوع وقد أعددت الكثير من المحاور لأتكلم بها معه ثم بعد ذلك أستشيره وأتفتح على آفاق واسعة من وجهة نظره.. قبل أن أستمر في حديثي قدّم مشكوراً نصيحة -وهي صحيحة وأتفق معه عليها- ولكنها لم تكن في وقتها المناسب أبداً، لقد قالها قبل أن أسترسل في حديثي وكانت بالنسبة لي قاطعة لكل أفكاري ومشتتة لي للدرجة التي صَمَتُّ بعدها ولم يعد لديّ ما أقوله فخرجت.

يبرع كثير من الأشخاص بالكلام قبل أن يولوا أهمية للاستماع. قد لا يكون للكلام قيمة أبداً حين تتكلم أولاً قبل أن تستمع للطرف الاخر. كذلك استخدام النصائح المعلّبة -وأعني بها تلك التي توجَّه لأي شخص على وجه الأرض بأي زمن- لا تفيد أبداً، وأعتبرها شخصياً بلا لون ولا طعم ولا رائحة وربما ضارّة وسامّة، لأن سياق كل شخص مختلف عن الاخر؛ حياته وأهدافه وظروفه وحالته ومشاعره وقدراته وبالتالي ليس من المتوقع أن يُطبِّق هذه النصيحة شخصان واحد منهما في الغرب واخر غيره بالشرق بنفس الطريقة والحيثية.

دعني أوضح ذلك: هل تؤمن باستنساخ التجارب مثلاً؟ يعني أن تأخذ نموذج شركة ناجحة في سيليكون فالي وتأتي لتطبيقها في منطقتك دون الأخذ بالاعتبار اختلاف العوامل المحيطة؟ هل تسمع عن رجل ثري نجح في تحقيق ثروة هائلة ثم تقارن نفسك به بعد أن طبقت كل نصائحه وقرأت كل كتبه وفعّلت كل تنبيهات حساباته؟

يشبه تقديم النصائح -المعلّبة السريعة- لكل الأشخاص باختلاف محيطهم وفي وقتها غير المناسب فكرة الاستنساخ السابقة والتي لا يمكن أن تنجح في كل البيئات ومع كل الأشخاص وفي كل الأوقات، وربما يؤدي تقديمها والاستجابة لها إلى كارثة.

استمع قبل أن تنصح

تقديم النصائح لأي شخص قبل أن تسمع منه وتفهم سياقه قد يكون جريمة ارتكبتها، ربما تُصيب مرة فتكون حسنة ولكنها تفشل في رميها كثيراً. لذا فكّر دائماً وتريّث قبل أن تتكلم وقبل أن توجّه نصيحة حتى لو كنت خبيراً أو طبيباً. الطبيب الجيد لا يمنح وصفه قبل أن يستمع من المريض ويُشخص حالته، تأتي النصيحة لاحقاً.. بعد الاستماع.

اختر الوقت المناسب للنصيحة

لكل نصيحة وقتها، الوقت عامل مهم جداً ومؤثر على كل شيء، أن تقدّم مثلاً نصيحة لشخص في الساعة التاسعة صباحاً ليست بمثل التأثير حين تقدمها له الساعة الثانية ظهراً؛ الحالة الذهنية والنفسية التي يعيشها الشخص في هذه اللحظة مختلفة تماماً. كذلك حين تقدم نصيحة جيدة وفاعلة؛ سيختلف تأثيرها إن كنت قدمتها قبل أن تستمع من المتحدث أو بعد أن يُنهي حديثه.

لا تنصح إلا إذا طُلب منك

أرى من الجيد دائماً إذا كان الشخص يريد تقديم نصيحة أن يطرح أسئلة على المتلقي بدلاً من النصيحة المباشرة. الأسئلة تفيده هو في المقام الأول لأنها توسع إدراكه وتساعده أن يفكر ويحلل ويصل للشيء الذي يريده بمساعدة أسئلتك التي تقوده بالتدريج فقد يقتنع، بدلاً من النصيحة المباشرة التي ربما ينصدم منها أو لا يتقبلها لأي سبب. مثلاً بدلاً من أن تقول: “هذه الوظيفة لا تصلح لك” اسأله: “ما الذي تستمتع به؟ ما الذي تبرع به؟ ما الذي تحاول الوصول إليه؟ كيف يمكنني أن أساعدك؟” هذا النوع من الأسئلة يزيده جرأة في الحديث ويجعل الحوار صحيّاً ومنسجماً، أما إذا ابتدأ بنصيحة فقد حكمت على المحادثة كلها بالموت كما حدث معي اليوم.

هذه نصائح “صحيّة” إذا كان لابد وأن تنصح، ويجب أن تتحقق كلها مجتمعة قبل أن تُقدم أي نصيحة تتلبس ثوب الخبرة أو قبعة الإرشاد أو بدلة الكوتشنق أو حتى تلك العابرة في ثنايا الأحاديث أو المزاح..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: