الذكاء الدبلوماسي لسفيرة النرويج

بالأمس كانت استضافة الرحالة والكاتب النرويجي Erling Kagge بحضور سفيرة النرويج لدى المملكة  Kjersti Tromsdal ونائبتها وفريقها، كإحدى المشارَكات الثقافية خلال معرض الرياض الدولي للكتاب. ورغم أن اللقاء كان قصيراً ومركزاً على مناقشة كتاب الكاتب النرويجي الذي تُرجم للعربية قبل المعرض؛ إلا أنني اعتبرت أن هذا اللقاء الثقافي لم يكن مجرد لقاءً ثقافياً “عابراً” بل هو قوةٌ دبلوماسية “عابرةٌ” حدود النرويج إلى أرض المملكة العربية السعودية. 

هكذا قرأت الحدث وفسّرته من زواية نظرتي الشخصية التي تقرأ مابين السطور وتجمع القطع المتناثرة لتصنع منها  لوحةً تُرى أو قصةً تُروى. في اللقاء الثقافي القصير الذي جمع الكاتب النرويجي ودبلوماسيّ السفارة النرويجية بالشعب السعودي قُراءً وهواةً وزواراً أستطيع أن أُبصر الذكاء الدبلوماسي لسفيرة النرويج وفريقها من خلال التالي: 

١- الثقافة كقوة ناعمة: استخدمت السفيرة “الثقافة” كقوة ناعمة قوية التأثير في إظهار بلدها بصورة مختلفة مغايرة عن الواقع رغم أن منصبها سياسياً. كأنها تقول انظروا لدينا ثقافةً وعقولاً مفكرة وتجارب ملهمة وليس مجرد طبيعة ومناظر سياحية تُصوّر في مقاطع فيديو. انظروا؛ نحن هنا ليس لإدارة الاجتماعات الدبلوماسية وتمثيل بلدنا والجلوس بين جدران المكتب فحسب، بل يمتد دورنا لإحداث تغيير ناعم ونقل إرثنا الثقافي لبلد جديد وبقعة جغرافية مختلفة. نحن هنا لنؤثر ونصنع ونختلط بالشعب السعودي ونفتح قنوات تواصل ثقافية واجتماعية، لا نُمثل دولتنا سياسياً فقط.  

٢- الترويج للنرويج من خلال استهداف فئات مختلفة: في لقاء الأمس الثقافي وترجمة كتب مؤلف نرويجي للغة العربية تم استهداف القُراء كمجموعة جديدة مهتمة وليس فقط المهتمين بالسياحة عبر الإعلانات التسويقية العامة. أؤمن أن البلاد لا تُرى بعدسة الكاميرات والصور والفيديوهات التي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي فقط بل أيضاً بعقول شعبها وتجاربهم. الحدث الثقافي لم يستهدف القراء فحسب، ولكن أيضاً هواة المشي والترحال الذين كتب لهم الكاتب واستعرض تجربته هم أيضاً من الفئة المستهدفة التي سترى النرويج لاحقاً بهذه العدسة المختلفة. 

٣- إرث باقٍ واستدامة ذات معنى: لك أن تتخيل مدة حياة الإعلان الترويجي التقليدي للدولة ومقارنته بكتاب يُعاد تدويره بين القراء ويُباع على مدى سنوات طويلة ويظل مستداماً في معارض الكتاب وأرفف المكتبات وحورات المثقفين والهاوين جيلاً بعد جيل. كم شخص سيتحمّس لزيارة النرويج بعد قراءة كتاب لكاتب نرويجي أو حضور جلسة ثقافية في السفارة النرويجية. 

٤- دعم الكُتاب وأصحاب الإنجازات كتكريم دبلوماسي خارج حدود وطنهم: إن هذا التكريم لهو من أجمل أنواع الاعتراف والتقدير القائم على نشر إنتاج المفكرين وإبداعهم وتوسيع صدى أصواتهم حول العالم بدلاً من الاقتصار على تقديم شهادة أو درع داخل حدود وطنه. لك أن تتخيل الاحتفاء بمبدع من خلال سفارته التي ساهمت في ترجمة كتبه ليصل إبداعه لبقعة لم يكن ربما ليحلم أن تصل كلماته إليها. أتخيل الآن كيف هي مشاعر الرحالة والمؤلف النرويجي أيرلنغ كيج وهو يرى قُراء عرب سعوديون يقرؤون إنتاجه ويتعرفون عليه وقد كان من قبل بالنسبة لهم نكرةً مجهولاً لا يُعرف اسمه ولا يُرى. 

في شهر اوقست الماضي زرت الدنمارك والسويد كأحد الدول الإسكندنافية المتقدمة، ووضعت النرويج في قائمة “التوقيت الشتوي” لرؤية الشفق القطبي حيث أنه أكثر ما أعرفه عنها، أما اليوم فقد اختلفت نظرتي المحدودة عن أفق النرويج وأصبحت أعرف عنه آفاقاً ثقافية وإبداعية، وحكومةً ذكية تؤمن بإبداع شعبها وتسوّق له باحترافية وحب، وسفيرةً ليست ممثلةً لبلدها فقط داخل حدود مكتبها، بل خرجت وأخرجت مكنون بلدها في أبرز توقيت ثقافي. 

وإني أرى أن هذا الحدث ليس ذكاء دبلوماسياً فحسب بل معه ذكاء أعمال أيضاً، فالتوقيت “معرض الكتاب” ليس عشوائياً، واستهداف فئة “القرّاء والمثقفين والهواة من المشاة والرحالة” لهو استهدافٌ دقيق ومحدد، وتوسيع نطاق التعريف بالبلد ثقافياً في دولة أخرى لهو استغلال ذكي لمنصب السفارة، واختيار صيغة “الكتاب” لهو المعنى للاستدامة والأثر الخالد. 

إن ماقامت به سفارة النرويج ممثلة بالسفيرة ونائبتها وفريقها لهو ذكاء دبلوماسي استخدمت فيه جناح القوة الإبداعية الأنثوية الناعمة، وجناح الطاقة الذكورية المتمثّلة في قيادة التغيير وإحداثه على أرض الواقع. 

وهكذا يكون التغيير والإلهام والأثر والاستدامة والتواصل الدولي الفعال. 

أضف تعليق