هل كانت حياتي كلها خاطئة؟!                                                          

لم يملك إيفان إيليتش القدرة على إيقاف الوقت والعودة للحياة حينما سأل نفسه في اللحظات الأخيرة قبل غروب حياته وهو ينظر إلى من حوله بصمت ويقول:

هل كانت حياتي كلها خاطئة؟!

قرأت رواية موت إيفان التي كتبها الروسي ليف تولستوي قبل خمس سنوات تقريباً وما زلت أتذكر هذه العبارة.

لقد نشأ إيفان في مجتمع يُعظَّم فيه قيمة المرء بالمنصب والمال فضمن لنفسه مكانةً مرموقة ومالاً وفيراً، حتى أن اعترضه حدثاً مفاجئاً قرّبه من لحظاته الأخيرة، فاجتمع زملاؤه بعد وفاته يتسابقون على منصبه الذي شغله في الوقت الذي كانت زوجته تحسب المعاش والميراث الذي خلّفه وراءه. وقبل اللحظات الأخيرة أدرك إيفان كيف أن حياته كانت خدعة وأن اختياراته في الحياة لم تمنحه الأمان والسلام والعيش الطيّب فتساءل بذهول: هل كانت حياتي كلها خاطئة؟!

يُذكرنا سؤال إيفان أنه لدينا الفرصة دائماً لتصحيح اختياراتنا.. كل يوم وكل لحظة. والنظر بعمق أكثر للطريقة التي اخترنا أن نعيش بها الحياة.. إن مجرد التفكير بهذا السؤال ربما تقود إلى ارتباك يهرب منه كثير وما يجرؤ عليه إلا الشجعان فقط. ذلك أن الحياة هي اختيار أن نبقى أحياءً ليس بالجسد المادي فحسب وإنما أحياء بالروح والضمير والقلب السليم. والإنسان الذي لا ينفتح لدروس الحياة يظل يظن أنه على حق ويكرر تجاربه بنفس الطريقة على مدى 70 أو 80 سنة ثم يدرك أخيراً أنه كان على حق أم لا في اللحظة الآفلة قبل الغروب.

كيف نعرف إذا كنا على حق أم لا؟

الحياة اجتهادات. يجب أن نحمل معنا خريطة نفتحها بين الحين والأخر، وبوصلة تساعدنا على اختيار وجهات صحيحة، وأن نسأل كثيراً، وأن نجرؤ أن نرفع بصرنا نحو السماء مُحدّقين حتى نميّز نجم سُهيل ساطعاً بين كل المجرّات الأخرى المُضلّلة.

بالنسبة لي خريطتي هي قيمي ومرجعي الديني وهذه الأشياء لا أسمح لنفسي بتجاوزها لأن الخروج من حدود الخريطة هو خروج من المعنى إلى اللاشيء.. إلى الضياع والهوّة المظلمة. وبوصلتي هي شعوري وصوت قلبي، وأنا لا أتردد أن أسأل الخبراء والحكماء في أمرٍ أحتاج مناقشته، كما أني جريئة بالقدر الكافي لتعريض نفسي لتجارب متنوعة تصقلني وتقويني وذلك حتى أرى نجم سهيل كما ذكرت وضّاءً بارقاً فالنور لا يمكن أن تشعر بقيمته إلا إذا مررت بنفقٍ مظلم يوماً ما.

الاختبار في الاختيار.

كل فكرة تستطيع أن تُثبت أنها صحيحة إذا أردت، ونفس الفكرة تستطيع أن تثبت أنها خاطئة إذا أردت.

لأنك أنت من يجمع الأدلة ويضع المعايير وأنت نفسك الذي تُقيّم الفكرة وأنت الذي تختارها. إنها تبدو طريقة مُضللة وإحدى أهم “تحديات” وجودك كإنسان؛ أن تميّز الصح من الخطأ وأن تكون سيّد نفسك وتقودها إلى الحقيقة الناصعة. الحقيقة التي لانصل إليها بتحليلاتنا المتحيّزة لذواتنا الأرضية، بل تعرفها الروح بوضوح حينما تستيقظ وتعود إلى مرجعها الذي جاءت منه. حين خلق الله الإنسان منحهُ أعظم “حرية في الاختيار” وهي أن يختار أن يؤمن به أو لا يؤمن. وكذلك هي كل اختياراتنا في الحياة من أعظمها إلى أدقها إنما اخترناها لدوافع “نحن” من نُبرر لها، وهذا الاختبار الذي من أجله جئنا.. الاختبار في حرية الاختيار.. وهذه الحريّة تُحتّم المسؤولية الكاملة عن النتيجة أيّاً كانت.

تساءل إيفان: “أيُعقل أنني لم أعش حياتي كما ينبغي؟ ولكن كيف ذلك؟! وقد فعلت كل شيء كما ينبغي عليّ فعله”

بهذه العبارة الصادمة يمكننا الولوج إلى عقل إيفان الذي كان يتوهم أنه عاش حياته -كما ينبغي- حسب اختياراته التي اختارها.

وحيث أننا نظن أننا نختار بمحض إرادتنا، إلا أن الإنسان في كل الحالات ينشأ ضمن مجموعات؛ وهذه المجموعات تُشكل هويته بوعي أو بدون وعي وتزرع فيه من الأفكار والمعتقدات والتفضيلات التي تتحول فيما بعد إلى اختيارات يثق بها المرء ظانّاً أنها اختياراته المحضة. في علم النفس تمثل هذه المنظومة الاجتماعية مصدراً “لتوريث” الاختيارات حيث يكون لدى الشخص الاستعداد لتلقي ماهو في محيطه سواء كانت -فكرة أو حتى نكته- وبالتالي يتحدد سلوكه على المدى الطويل ونظرته إلى نفسه والعالم الذي يحيط به من خلال هذا المزيج الذي يعيش معه.

الشخص الواعي هو الذي ينتبه لهذا المزيج ويتفحص كل معتقداته واختياراته بدءً من العقيدة والمذهب إلى نوع العصير الذي يشربه ولون الحذاء الذي يلبسه، ويسأل نفسه: من أين مصدر هذا الاختيار؟ هل هو شخص أو مجتمع اختاره لي؟ هل هذا الخيار يشبهني؟ هل هو مناسب لهويتي؟ لمستواي؟ لأخلاقي؟ لأفكاري؟ لسمعتي؟ هل هو منسجم مع كينونتي؟ هل هو يتعارض مع قيمي؟ هل هو خيار منشؤه رغبة مادية؟ أم نفسية؟ أم فكرية؟ أم روحية؟ ما الدوافع التي تجعلني أختار هذا الخيار؟ ما الرغبة التي أشعر أنها ستعود إلى من هذا؟ ما تأثير هذا الخيار على ذاتي وبقية جوانب حياتي؟ ما عاقبة هذا الاختيار على المدى القريب والبعيد؟

في كل مرة تتساءل ستجد أن هناك اختيارات راقية تتمثل في طرق صالحة وأشخاص أنقياء وممارسات زاكية وأماكن نيّرة. كما أنه على الجانب الآخر هناك اختيارات رديئة تنعكس على طرق مُنحدرة وأشخاص غير جيدين وممارسات ملوثة وأماكن مظلمة.

لذلك علينا أن ندرك في كل لحظة أن نختار من نكون.. وأين نكون.. ومع من نكون.

وإن كنا نحب أنفسنا فإن أقل ما نقدمه هو أن نُحسّن اختياراتنا، ونرتقي بذائقتنا، ونتعلّم كيف نختار اختياراً جيداً.

الحياة أقصر من أن تتعلمها بنفسك.

ولأن الخيارات متعددة ومُربكة والدوافع مُضلِّلة والاختيارات إنما هي اختبارات لرحلة مؤقتة؛ فإنه من الصعب أن نسلك الطريق وحدنا ونوهم أنفسنا بأننا أذكياء وأننا على حق، فلابد من أن نراجع اختياراتنا بين الفينة والأخرى مع الآخرين “الواعين” ونعترف بحاجتنا للتقدم والتطور ورغبتنا بأن نعيش حياة أفضل.

اسأل نفسك: من الشخص المناسب الذي يمكن أن يجعل حياتي أفضل؟ من الشخص الذي يمكن أن يساعدني في هذا الأمر؟ من عائلتك/ أصدقائك/ مستشارون/ وقد تكون كتب وصوتيات.. ربما شخص واحد يساعدك ألاّ تقضي بقية حياتك خاطئة.

دائماً اسأل الأشخاص الذين هم أفضل منك معرفياً

أفضل منك شخصياً

أفضل منك دينياً وروحياً

أفضل منك مهنياً

أفضل منك مالياً

أفضل منك أخلاقياً

إننا حين نعترف بجهلنا ونطلب المساعدة فإننا نساعد أنفسنا على أن نعيش حياة طيّبة. لأن التصريح بنوايانا واختياراتنا للأشخاص الموثوقين الواعين يسمح لنا بإعادة التفكير في العادات والممارسات والأفكار غير الصحيّة التي اعتدنا عليها وربما ظننا أننا على حق في وقتها.

ختاماً..

إنك تستحق حياة رائعة وحياة طيّبة ونقيّة، وأنت أتيتَ إلى هنا لتصنع شيئاً رائعاً لنفسك وللآخرين الذين تمر بهم. ولديك القوة للاختيار والتغيير مثلما لدى الاخرين الحق كذلك. كما لديك الفرصة لإعادة التفكير والتأمل بالمسلّمات التي تبنّيتها وأن تُحسّن من جودة الاختيارات إلى ما يليق بروحك. إن الاختيارات المهدئة قصيرة المدى تشوّش الرؤية وتُربك الروح وتسرق الوقت وتؤذي المرء والآخرين أيضاً، وهي تمنح سعادة مادية على المدى القصير كما كان مع إيفان حين انتهى به الأمر إلى الاعتراف بفقدان ماهيّته الأصيلة وقضاء حياته دون معنى وقيمة حقيقية. وإن الاختيارات المثلى تتناغم مع رؤية فرديّة يستمتع فيها المرء استمتاعاً طيّباً يرقى لمكانته بعيدة المدى ويحيا شجاعاً واثقاً من أنه يكتب قصة ممتعة وطيّبة ونقيّة ورائعة لنفسه يفخر بها حين يقرأ تفاصيلها يوم العرض الكبير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: