الكاتب الأصيل قادر على خلق معانٍ بأسلوب لايشبه غيره، وجوهر الكتابة عنده هو خلق الأصالة وليس استجلابها، والكاتب الأصيل يعرف أنه هو النسخة الأولى والأخيرة من ذاته. وليس ذلك لأنه لا يتأثر بغيره؛ فالإنسان على أية حال يُقلِّد ويٌقلَّد ويقتبِس ويُقتبس منه، ولكن الكاتب المتفرد هو الذي يُعيد تشكيل العالم من حوله بكلماته ورؤيته وبصمته الخاصة.
وإني أكتب هذه المقالة بعد التعرّض الكثيف لسيل المحتوى التوليدي المتدفق والمكرر نفْسه ونَفَسه بلا تفرد ولا جاذبية، ولأني خشيت على نفسي أن تتأثر كتابتي وأسلوبي بلغة المولدات الاصطناعية، عزمت أن أعود مجدداً للتدوين لأحافظ على أصالة قلمي وأبقيه متفرداً حراً..
وقد كتبت هذه المقالة استحثاثاً لي وللكُتّاب ألاّ تؤثرعلينا هذه الأدوات التوليدية وتُبعدنا عن مرسى أفكارنا وكلماتنا الخاصة وتعبيراتنا الأصيلة. فالكاتب المبدع هو الذي حين يطبعُ حروفه فإنما يطبعها كبصمة أصبعه التي لا تشبه أصبعه الاخر الأقرب منه، وهو الذي لا تجد لكتاباته تكراراً ولا تماثلاً، بل هي عصيّة على الاستنساخ لأن فيها روحه ونَفَسه الذي خالطه ومازجه، وبين أسطره ترى خريطة وجهه وتاريخه وآلامه ولمعانه وقوته ومعالمه الشخصية التي لا يمكن لأي مِعول نصٍّ توليدي أن يُحاكيه أو يقتبسه. بل هو الأصل والأصالة، وهو الخالقُ والنافخُ بروح كلماته، وهو النسخة الأولى والأخيرة من ذاته.
وإن التحدي في هذا العصر هو أن يبقى الكاتب كاتباً أصيلاً لا منسوخاً. ومن يعرفني يعرف أنني أُقدّس الأصالة والفردية الذاتية، لأنها أمُّ الإبداع وبذرة ُالخلق الجديد الذي لا يشتبه ولا يتشابه. وحين يكون الكاتب أصيلاً فهو لا يستند لسلطة الآلة التي تولّد له نصوصاً متراكبة ومعلبة، بل إنه يُخرج ماهو كائنٌ فيه ومُتخلّقٌ بداخله، ويستبشر بولادة نصّهِ بعد مخاضٍ من التعديل والتحسين، وهذا هو جوهر الرحلةِ ومتعتها وتحدياتها التي يعيشها الكاتب في كتابة مقالٍ قصير أو روايةٍ طويلة.
حافظ على أصالة قلمك أيها الكاتب..
وحين تقرر الكتابة؛ اهجر أدوات الذكاء الاصطناعي واستفرد بقلمكَ في خلوةٍ مقدّسة.
ارمِ النصوص المصطنعةَ وراءك واحتضن أفكارك الحائمةَ فوق رأسك.
زُجّ كل القوالب والأطر واترك أحرفك حرةً متمردةً ترسم طريقها الخاص بأصبعك.
إياك أن تضع فلتراً على وجه صفحاتك أو صبغةً على ناصية قلمك، فإن صبغتك هي أحسن صبغة!
ولاتدع لسطوة هذا التحول أن يمحو فردانيتك وملامحك الخاصة. ولاتجعل للذكاء الاصطناعي سلطاناً على ذكائك اللغوي الفطري الابداعي الذي أودعه الله فيك.
وعند الكتابة.. كن أنتَ أنت، ولاتُسلم قلمك لصانعٍ مصطنع فإنك أنت الصانع، وإن كنت تراه أجود منك فإنك أكثر حقيقةً منه وإبداعا.
وإني شخصياً حين أرغبُ بالكتابة؛ فإني أُمسك قلماً..
لا أسأل جي بي تي..
لان الكتابة عندي فعلٌ مقدسٌ كالصلاة. لا أغشُّ به ولا أُنقصه حقه وقدره. أكون فيهِ حاضرةً متصلةً بروحي التي تُملي عليّ، وتأمر يدي بفعل الكتابة أمراً مقضياً لا رادّ له.
والكتابة بالنسبة لي هي صوت الروح، واحترام هذا الصوت يجبلني على الإنصات والحضور تقديراً وحباً. أما مولدات النصوص فهي للاطلاع والتعلم والاستكشاف وتوسيع الافق. ولا يجيد هذا الذكاء الاصطناعي لمس الروح والتعبير عنها عمقاً ومعنىً وصدقا. فالروحُ سرّها عند سيدها، وسيدها هو الذي يحضرها ويصغي لها وينصت ويتركها حرةً تكتب.
وفي حضرة روحي فإن عقلي يصمت.. فكيف بالذكاء الاصطناعي؟!
إن صوت الروح صوتٌ شفافٌ نقيٌّ متوهجٌ بالكلمات التي تتنزل طوعاً على القلم. وإني بالكتابة الحرة أُسطر ماتحويهِ روحي وما تراهُ وماتُلهمه، ولست أكتب من مجرد حدود عقلي ومفاهيمه وأفكاره المحضة.
وهذا مايميز الكتابة الحرة العفوية، فهي لاحدود لها ولا قوالب ولا ديباجة ولاخاتمة سطر ولا حتى نقطة. وهي لا تحتاج صياغةً بل هي الصياغة الكاملة في ذاتها، الحاضرةُ بكل حروفها، المُتمّمُ أولها لآخرها وإن كانت جملةً واحدة. تبدأُ متى ما تنفست وتنتهي حين تؤدي ماعليها وإن كانت مجرد ثوانٍ معدودة أو أياماً لا انقضاء لها.
وإن للكتابة بالقلم ميزةُ الصدق وسرُّ الوضوح؛ فهي أصدقُ من المرآة التي أقف أمامها، ذلك أنها تكشف العمق لا السطح. وتُظهر المخبوء لا الظاهر وتستثيرُ مكامن الفردانية بالداخل والتي يصعب على المرآة عكسها.
ولذلكَ حين أريد أن أفكر.. أمسك قلمي
وحين أريد أن أُعمّقَ أو أفرّغَ مشاعري.. أمسك قلمي
وحين أريد لروحي أن تُعبر وتُبدع.. أمسك قلمي
وكذلك حين أريد أن أشتم.. أمسك قلمي..
أمسكُ قلمي لأن الله أقسم بالقلم وقدّسه وأقسم بما يُسطّرُ به، فكيف لي بعد هذا كله أن أُفوض فضيلة الكتابة للآلة المجردة.
ولأننا مؤخراً تعرضنا لسيل المولدات الاصطناعية؛ فإني أنوه لكل كاتبٍ خطورة أن ينسى براعته، وأن يتقولب من حيث لا يدري بقوالب وأسلوب وسرد الآلة المقتبس من جماهير الناس ومدخلاتهم. ولأنني لا أُحب القولبة ولا أحب التغيير من ماهية إبداعي؛ فإني لا أريد أن تقل كفاءتي وموهبتي الفطرية بالكتابة وتتأثر بمساعدات آلية تضعني في نسقٍ وإطارٍ جماهيري محدد ومتشابه.
أحب العفوية في السرد، وأُقدس الحرية في التعبير، وأسمحُ لقلمي أن يسير حيثما يشاء ويخطّ كيفما أراد حسب شعوري الذي يُرافقه وجذوة فكري التي تُوقده. وأعتقد أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الكتابة يقوّض قدرةَ الكاتب على هذه الحرية ويحد من عفويته، والخطير أيضا أنه يغير المفهوم حتى يقتنع به ويظن بلا وعي أنه منه. وهذا من السّطوةِ والخطورةِ الفكرية وليس الإبداعية فحسب. وكأنه -من تجربتي معه في الكتابة- يريد أن يمحو أصالتي ويختار الكلمات عني ويضعني في إطاره المقتبس ويعيد تعريف ذاتي لتشبه الجموع الغفيرة!
عن الأصالة..
إن حاجتنا للأصالة في هذا الزمن أكثر من أي وقت مضى، إذ أن الأمة المبدعة هي أمةٌ أصيلة. وإننا نفتقرُ إلى هذا النوع من الأصالة في الكتابة خاصة، فالكاتب هو من يمنحُ الكلمة معنى، ومن يعطي للفكرةِ قيمة، وهو مركز الرؤية وصانع الثقافة وكاتب الحضارة ومورِّثها للسُّلالة. وإن كان المجتمع العربي -للأسف- لا يعطي الكاتب مكانة؛ فإن على الكاتب حقٌّ ألاّ ينسى نفسه وموقعه ومركزيته، وإن نسيَ هذه الحقيقة فإنه بذلك يُلغي نفسه، ومهمتنا دوماً أن نُذكّره بذلك.
أن نُذكرهُ أن يكتبَ بقلمه!
بقلم: سهام المبارك